يحيى بن معاذ الرازي

90

جواهر التصوف

الباب العاشر الفقر والافتقار 127 - قال شيخنا يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى : « علامة الفقر خوف زوال الفقر . » قيل : فما الغنى ؟ قال : الأمن باللّه تعالى » [ الرسالة : 211 ] . * فقر الرجل : أي قلّ ماله ، والفقر العوذ والحاجة ، وافتقر أي احتاج ، والافتقار : إعلان الضّعف ، والاحتياج إلى الإعانة . قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ فاطر : 15 ] وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ محمد - 38 ] ، فالكلّ فقير إليه ، فبنعمة الإيجاد كان الإنسان ولم يك شيئا ، وتوالت عليه نعم الإمداد من روح وإيمان وطعام وشراب ، ونعم لا تحصى . . فكان بالايجاد وجوده ، وبالإمداد دوام وجوده وهذه حقيقة كلّ كائن . . فأنت يا إنسان مفتقر إليه لدوام وجودك ، يستوى في هذا الافتقار المؤمن والكافر ، والمقرّ والناكر ، والناسي والذاكر . * علاقة العبد بربه تقوم على أمرين لا ينفكّ أحدهما عن الآخر ، كوجهى العملة ، وهما عبوديّة وافتقار » . . والافتقار استعانة وصبر ، استعانة باللّه في كلّ أمر جلّ أو قلّ ، وصبر على أمر الله في كل حال . . ومن هذا المنطلق أصبح للفظ الفقير معنى أخر غير معنى الفقر . . وصار لفظ الفقير نعتا لمن كان مؤمنا يؤدى حقوق الربوبية بافتقاره إلى مولاه ، راضيا بما قدّره وقضاه ، سواء كان غنيّا أم كان معدما ولذلك لما سئل شيخنا يحيى عن ماهية الفقر ، قال : خوف زوال الفقر . . وهل يقبل عاقل وقد تحقق في داخله بصفة الفقر أن تزول عنه هذه الصفة ؟ ، ويقول الهجويرى شارحا على عبارة الشيخ يحيى : أي أن علامة صحة الفقر أن العبد في كمال الولاية ، وقيام المشاهدة وفناء الصّفة يخشى الزّوال والقطيعة ، ثم يصل به كمال الحال إلى حدّ أنه لا يخشى القطيعة . * وممّا قالوه في توصيف الفقير : قال سهل بن عبد الله : الفقير الصادق لا يسأل ولا يردّ ولا يحبس ( أي لا يدّخر ) . . وهو أيضا لا يطلب المعدوم حتى يفقد الموجود ، وقال رويم : من نعت الفقير حفظ سرّه ، وصيانة نفسه ، وأداء فرائضه ، أي أن سره يكون محفوظا من الأغراض ، وجسده مصونا من الآفات ، وتكون أحكام الفرائض جارية عليه ، وقال الشّبلىّ : الفقير لا يستغنى بشئ دون الله . * * *